الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
232
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
( إبل سدى ) في الإبل السائبة التي تترك بلا راع . والمراد من ( الإنسان ) في هذه الآية هو المنكر للمعاد والبعث ، فيكون معنى الآية : كيف يخلق الله هذا العالم العظيم للإنسان ولا يكون له هدف ما ؟ كيف يمكن ذلك والحال أن كل عضو من أعضاء الإنسان خلق لهدف خاص ، فالعين للنظر ، والأذن للسمع ، والقلب لإيصال الغذاء والأوكسجين والماء إلى جميع الخلايا ، حتى أن لخطوط أطراف أصابع الإنسان حكمة ، ولكن يحسب أن لا هدف في خلق كل ذلك ، وهو مهمل لا تخطيط فيه وليس له من أمر ونهي ومهام ومسؤولية ، فلو صنع شخص ما صنعة صغيرة لا فائدة فيها فإن الناس سوف يشكلون عليه ذلك ويحذفون اسمه من زمرة العقلاء . فكيف يمكن لله الحكيم المطلق أن يخلق خلقا لا هدف له ؟ ! وإذا قيل أن الهدف من هذه الحياة هو قضاء أيام الدنيا ، هذا الأكل والنوم المكرر الممزوج بآلاف الأنواع من الآلام والعذاب ، فإن هذا لا يمكن أن يكون مبررا لذلك الخلق الكبير . ولذا فإننا نستنتج من أن الإنسان قد خلق لهدف أكبر ، أي الحياة الخالدة في جوار رحمة الله والتكامل المستمر والدائم ( 1 ) . ثم انتهى إلى تبيان الدليل الثاني ، فيضيف تعالى : ألم يك نطفة من مني يمنى وبعد هذه المرحلة واستقرار المني في الرحم يتحول إلى قطعة متخثرة من الدم ، وهي العلقة ، ثم أن الله تعالى يخلقها بشكل جديد ومتناسب وموزون ثم كان علقة فخلق فسوى . ولم يتوقف على ذلك : فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى . أليس من يخلق النطفة الصغيرة القذرة في ظلمة رحم الأم ويجعله خلقا جديدا كل يوم ، ويلبسه من الحياة لباسا جديدا ويهبه شكلا مستحدثا ليكون بعد
--> 1 - كان لنا بحث آخر في هذا الإطار في ذيل الآية ( 115 ) من سورة المؤمنين .